عبد الملك الجويني
212
الشامل في أصول الدين
يدق مدركه . فإذا ثبت إنباء الجسم عن التأليف ، حققناه في كل متألف ، فهمه العرب أو جهلوه . والذي يوضح ذلك أن الطول لا بد منه في الجسم ، ثم يكتفي الخصم في تصوير الطول بتركيب جوهرين من كل قطر . ونحن نعلم أن ذلك لو فصل على العرب لما سموه طولا . وأما من قال : الجسم هو القائم بالنفس ، فكل ما قدمناه رد عليه ، إذ الجسم مما يسوغ التفاضل في معناه ، وليس كذلك القائم بالنفس . وبقريب من ذلك نرد على هشام في تسميته وتفسيره الجسم بالشيء ، ونزيده وجها آخر فنقول : أقصى ما تصير إليه أن الرب جسم لا كالأجسام ؛ بمعنى أنه شيء لا كالأشياء ، فيلزمك على طرد ذلك تسمية الأعراض أجساما من حيث كانت أشياء ، هو يمنع تسمية العرض جسما . فإن اعترف بذلك ، فقد نقض مذهبه ، وإن أبى وامتنع من تسمية الأعراض أشياء فقد جحد اللغة ، وراغم آيا من كتاب اللّه منها : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ [ القمر : 52 ] . والمراد بذلك تبديلهم وتحويلهم ، وهو من أفعالهم وأفعال المحدثين أعراض . وقال تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ القمر : 49 ] إلى غير ذلك من الآيات . ووجه جحده اللغة واضح ، فإن من أنكر تسمية اللون والأصوات أشياء ، فقد راغم . ويتسرع إلى الرد عليه أقل من شدا طرفا من كلام العرب ، وهذا سبيل الرد على الكرامية إذا زعموا أن الجسم : هو الموجود . وهذه مناقشات في الألفاظ وستأتيكم المعاني في مواضعها إن شاء اللّه . فصل مشتمل على ذكر أقل الأجسام اعلموا وفقكم اللّه أن الاختلاف في هذا الفصل يستند إلى ما قدمناه في حقيقة الجسم . وقد ذكرنا أن معظم المعتزلة وكافة الفلاسفة صاروا إلى أن الجسم هو الطويل العريض العميق . وقال الجبائي لما سئل عن أقل الجسم فقال : لست أجد في ذلك حدا ، فإن العرب لم تتعرض لتحديد أقل الجسم ، ولكني لو قربت فيه القول لقلت : أقل الأجسام تقريبا ثمانية أجزاء تنطبق أربعة منها على أربعة . وذهب بعض أتباعه إلى قطع القول بأن أقل الأجسام : هو المتركب من ثمانية . ولا معنى لترديد القول في ذلك ، فإن الطول والعرض والعمق لا يتحقق إلا عند انطباق الأربعة على أربعة ، فلا معنى للتردد مع القطع . وذهب أبو الهذيل العلّاف إلى أن : أقل الجسم ما تركب من ستة . ويثبت ثلاثة على ثلاثة . وصار إلى أن العرض والطول والعمق يتحقق في هذا الشكل . ثم قال : أقل رتبة